لحظة الحقيقة الإيرانية

بإرسال ترامب وحلفائه للسفن الحربية الى الخليج تنزع الإجراءات العسكرية الأمريكية فتيل التهديدات الإيرانية التي

دامت لعقود بإغلاق مضيق هرمز او تعطيل تجارة النفط منه ويتحول الوجود العسكري الإيراني في المياه الإقليمية الى هدف للتهديات الأمريكية بعكس ما هدفت اليه طهران من تهديد واشنطن بهجمات على شريان الطاقة الدولي

فقدت إيران بذلك القدرة على التهديد بإغلاق هرمز وأي هجمة على سفينة مدنية أو عسكرية خليجية أو دولية  يمكن أن توظف كمبرر لرد عنيف ضد السفن الإيرانية بما في ذلك القريبة من الشواطىء الإيرانية

كما فقدت إيران خيار التهديد باستئناف تخصيب اليورانيوم لأن ترامب يتعامل منذ انهائه للإتفاق النووي بمنطق تحدي القيادة الإيرانية لتستخدم ما تستطيع استخدامه وهو ما ثبت أنه محدود في الملف النووي خاصة بوجود ضمانات روسية وصينية بان ايران حتى وان كانت طورت رؤوسا نووية فعلا فلن تستخدم هذه الرؤوس في هجمات شأنها شأن ست دول نووية أخرى لم تجرؤ على إستخدام هذا السلاح واكتفت بتطويره كسلاح سياسي رادع، وهو ما تفقده ايران تدريجيا من خلال تحول عداوتها من عداوة مع عدد من دول الجوار الى عداوة مع عدد كبير من القوى الدولية التي أثرت عليها تهديدات ايران وتحركاتها ضد الملاحة البحرية الأمنة في الخليج، مما قاد الى تأييد هذه الدول وأهمها بريطانيا واستراليا لخطة مشتركة لتأمين الملاحة الإقليمية والتصدي لأي مغامرات إيرانية في المنطقة

وبإستضافة المرشد الإيراني للحوثيين استعرضت ايران اخر اسلحتها السياسية المتمثلة بالقوى الميدانية التي تهدد دول الجوار التي تعادي ايران منذ عقود، ولكن ماذا قدمت استضافة الحوثيين في طهران الا مزيد من اللوم على طهران في فترة تنتقد فيها طهران ليس فقط من اعدائها بل من أصدقائها أيضا والمتفهمين لبعض سياساتها

والخلاصة أن هناك علامة إستفهام كبيرة على ماذا في جعبة الإيرانيين بعد ليضعوه على الطاولة في المستقبل ؟

فعندما تعلن عن أسلحتك تقدم فرصة لمعاديك لتحضير ما في جعبتهم لمواجهتها، وحتى ان كنت نجحت في توظيف ما لديك حتى اللحظة لكسب الوقت وبعض الحلفاء فالتحدي الأكبر هو كيف ستواجه تبعات كشفك لجميع الأوراق

عندما ترى المعادلة من منظور مبادىء توازن القوة، تجد بأن أسلحة إيران بما فيها النووي والحوثيين وأمثالهم وتهديدات إغلاق هرمز هي أسلحة إستعراض قوة وليست قوة حقيقية وازنة لتقف في وجه أمريكا وبريطانيا ودول الخليج التي تناصب إيران العداء، وهناك فرق شاسع بين القدرة على إستعراض القوة والقدرة على إستخدام القوة في لمواجهة مفتوحة

هو ما يقود الى توقع سيناريو منطقي واحد هو ان تصل ايران الى لحظة الحقيقة قريبا من خلال ادراك ان كل أذرع استعراض القوة لا تحولك الى قوة دولية تجابه كل هذه القوى مجتمعة ،وعليك ان تتعامل بمنطق القوة أيضا وتلجأ الى تخفيف حدة التوتر من أجل التمهيد للوصول الى أرض مشتركة مع الخصوم

وهو ما بدأته إيران فعلا من خلال البوابة الفرنسية عبر محادثات بدأت على هامش قمة الدول السبع الكبرى ومن المتوقع استمراره بشكل ثنائي بين باريس وطهران خلال الأسابيع القادمة.

تدرك واشنطن ولندن وأبوظبي والرياض بأن لحظة الحقيقة هذه قادمة، ولكن الدبلوماسية الإيرانية أعجز من أن  تصوغ هذا المسار بإقتدار ولذلك يبرز الدور الفرنسي الذي استفرد بقيادة القارة الأوروبية بعد أزمة البريكزيت مع بريطانيا وترجل ميركيل عن جواد القيادة الأوروبية مؤخرا .

ولذلك اذا أردت أن تنظر الى مستقبل الأزمة النووية الإيرانية عليك أن تراقب تحركات ماكرون وتصريحات وزرائه، فرغم محدودية قوته في الميدان نجح ماكرون في خلق معادلة تسمح له بلعب دور الوسيط الذي سيحتاجه الجميع في غضون شهور أو سنة على الأكثر ليخرج مشهد الوساطة كمنقذ لإيران بالدرجة الأولى ومعلن لنهاية التصعيد المتبادل، وهو ما سيسوقه الطرفين كإنتصار للإستهلاك المحلي كل عند مؤيديه.

لكن الحقيقة أن إيران دفعت  بشكل غير محسوب بأعدائها للقدوم الى ضفاف موانىئها بعد أن غادروا هذه المياه بسنوات.

وحولت مساحات استعراض القوة الإيرانية الى مساحات إستفهام كبيرة عن مستقبل الخيارات الإيرانية في التعامل مع العالم خلال ما تبقى من فترة ترامب الرئاسية.

وكل ذلك في ظل ازمة اقتصادية إيرانية داخلية ، ربما يكون استخدام كافة الأسلحة المذكورة لإستعراض القوة خيارا سليما استراتيجيا للمصالح الإيرانية عندما بدأ استخدامها قبل سنوات وبعد اعلان ترامب تراجعه إنسحابه من الإتفاق كأداة ضغط مؤقتة ناجحا ، لكن التأخر في رسم سيناريو انتهاء الإستعراض وجني ثمار هذا العرض الذي طال قد يكلف إيران وحفائها الكثير، ولن يكون من حظ إيران أن عراب الصفقة سيكون الرئيس الفرنسي الذي يحاول ان يتحول الى وسيط في الأزمات دون أن يملك قوة التأثير اللازمة على مختلف الأطراف مما يجعل قدرته على دفع ما يخدم ايران أضعف مما يحلم به الإيرانيون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *